
بصائر – قم المقدسة
ألقى سماحة آية الله السيّد هادي المدرسي كلمة بمناسبة استشهاد قائد الثورة الإسلامية الشهيد آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي (رض)، تناول فيها سنّة الصراع الدائم بين الحق والباطل، مؤكدًا أن حسم هذا الصراع يبدأ من داخل الإنسان قبل أن يمتدّ إلى المجتمع والتاريخ، مستلهمًا في ذلك نهج ثورة الإمام الحسين (ع)، مؤكداً أن الشهادة ذروة الإخلاص، وهي أعظم طريق للقاء الله، مشيراً إلى أن الأعداء يخطئون في حساباتهم حين يظنون أنهم قادرون على القضاء على شيعة عليٍّ عليه السلام.
الصراع الداخلي: البداية الحقيقية للموقف:
واستهلّ السيّد المدرسي كلمته بالآية الكريمة: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَ لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوَاتٌ وَ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَ لَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) مبينًا أنّ الحياة بطبيعتها خليط من الخير والشر، والإيمان والنفاق، والصلاح والفساد، ولذلك فإنّ الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل صراع دائم ومستمر.
وأوضح السيّد المدرسي أنّ هذا الصراع لا يقتصر على المواجهات الخارجية، بل يبدأ أولًا من داخل النفس الإنسانية: «هذا الصراع يكون في دواخل الإنسان بين الإخلاد إلى الأرض، والبحث عن الشهوات والرغبات، وبين الروح التي خلقها الله فيه، والتي تتطلّع إلى القيم والمُثل والمعالي».
وأشار إلى أنّ هذا الصراع الداخلي طبيعي عند المؤمنين، إلا أنّ نتيجته تكون محسومة حين يحسم الإنسان خياره، ويقرّر أن يكون مع الله، وأن يكون مطيعاً له، ومن ثم فإنّ المؤمن يهزم إبليس في داخله، وبمقدار ما يكون إخلاصه لربّه فإن الله يخلصه.
حسم الولاء: إمّا لله أو لإبليس
وبيّن السيّد المدرسي أنّ الصراع يمتدّ بين المؤمنين بالله وبين من اتبعوا إبليس، مستشهدًا بقوله تعالى: {كتب عليه أنّه من تولاه فإنّه يضله}.
مؤكدًا أن القرآن يصف أتباع إبليس بأنّهم الأكثرية في العادة، بينما القلة هم الذين يتطلّعون إلى رضوان الله وجنته، محذرًا من أنّ أنصاف الحلول لا تصمد في هذا الصراع، لأنّ الشيطان لا يقبل إلا الولاء الكامل.
وأضاف أنّ هذا التدافع هو جوهر الابتلاء الإلهي في الحياة: {أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون}، مبينًا أنّ الجهاد بمختلف أنواعه ـ جهاد النفس، وجهاد العدو، وجهاد تبليغ الرسالة ـ هو نتيجة طبيعية لهذا الصراع الأبدي.
الإمام الحسين (ع): رفض المساومة مع الظلم:
وانتقل السيّد المدرسي إلى ثورة الإمام الحسين (ع)، موضحًا أنّ خروجه لم يكن طلبًا للسلطة، بل موقفًا مبدئيًا في مواجهة الانحراف: «ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟».
وأكّد أنّ الإمام الحسين (ع) رفض مبايعة يزيد لأنّه كان يمثل مشروعًا يريد إخضاع الناس ليكونوا على شاكلته، لا أحرارًا في طاعتهم لله، مشدّدًا على أنّ وجود المؤمن الرافض للظلم يشكّل خطرًا على الأنظمة المنحرفة، إذ أن المؤمنين اليوم يتبعون الإمام الحسين عليه السلام ويسيرون على نهجه في رفض الظلم ولذلك فإن الطغاة و المستكبرين يخافون منهم.
النصر الحقيقي: نصر القيم لا نصر السيوف:
وأوضح السيّد المدرسي أنّ ميزان النصر في منطق الإيمان ليس ماديًا: «نحن عندنا حسنيان… إمّا النصر، وإمّا الشهادة، وأحلاهما الموت في سبيل الله».
مبينًا أنّ المؤمن لا يخاف لأنّ أقصى ما يمكن أن يفعله العدو هو القتل، وهو في ميزان العقيدة انتقال طاهر إلى الله، واستشهد بالدعاء المعروف: «اللهم وقتلًا في سبيلك فوفّق لنا».
مبيناً أن هذا الدعاء هو دعاء كل مؤمن في ليالي القدر فكيف يخوفنا الأعداء بالقتل ونحن نلهج بطلب القتل في سبيل الله رجال الله لا يخضعون للشيطان وحتماً سينتصرون.
أكد آية الله السيد هادي المدرسي أن الصراع بين الحق والباطل لم يتوقف عبر التاريخ، مشدداً على أن أصحاب المبادئ لن يخضعوا للطغيان مهما اشتدت الضغوط، وأن النصر في نهاية المطاف سيكون للقيم والمبادئ التي يحملها المؤمنون.
وأوضح السيد المدرسي في كلمته أن بعض الجهات باتت تعلن عداءها بشكل صريح، قائلاً إن الاستكبار اليوم يقف “ضد المسجد، وضد الحسينية، وضد مبادئك ودينك وأئمتك، وضد صاحبك الذي تنتظره”.
وأضاف أن ما كان يُخفى في السابق تحت ستار النفاق أصبح يُعلن اليوم بوضوح، مؤكداً أن ذلك لا يغيّر من ثبات المؤمنين على مواقفهم.
وأشار إلى أن هناك رجالاً باعوا أنفسهم لله ولن يخضعوا للباطل، مهما كانت التحديات، قائلاً: “اعرفوا أن هناك رجالاً باعوا أنفسهم لله، لن يخضعوا لإبليس مهما فعلتم بهم إلى آخر لحظة، وهؤلاء سينتصرون، لأن النصر الحقيقي هو للمبادئ والقيم والمثل والأهداف”.
الشهادة: اكتمال المسيرة وخلود الأثر:
وفي سياق حديثه عن التضحيات التي يقدمها المؤمنون اليوم، أكد السيد المدرسي أن استهداف القيادات والرموز لا يزيد المؤمنين إلا صبراً وثباتاً، مضيفاً: “الطغاة يقتلون قادتنا، فما نزداد إلا صبراً وثباتاً”.
كما شدد على أن الشيعة اليوم باتوا يشكلون أمة راسخة الحضور، لا يمكن إلغاؤها أو القضاء عليها، قائلاً: “الشيعة اليوم يشكلون أمة، ولن يستطيع أحد أن يقضي أو يلغي هذه الأمة”.
وبيّن أن مفهوم انتظار الفرج لا يعني السكون أو الاستسلام، بل هو حالة من العمل والمسؤولية، موضحاً: “انتظار الفرج هو انتظار عملي، وليس جلوساً وخنوعاً، وعلينا أن نتحمل مسؤوليتنا اليوم”.
مؤكداً على ضرورة الثقة بوعد الله ونهاية الطغيان، قائلاً إن المؤمنين يعيشون أجواء المصائب والابتلاءات، لكنهم يوقنون بأن “الله هو رب الكون ورب الناس، وأن الطغاة الذين يدّعون الألوهية من دون الله مخطئون وكاذبون”، مؤكداً أن النصر حتمي للمؤمنين، وأن “الشهادة معشوقة المؤمنين“.
ودعا في ختام كلمته إلى الثبات على طريق الحق ونصرة دين الله، سائلًا الله تعالى أن يتغمد الشهيد السيد القائد وجميع الشهداء بواسع رحمته، وأن يجعل دماءهم مباركة في مسيرة الانتصار، وأن لا يستبدل بالأمّة من يحمل راية الحق.











